ابن سبعين

200

أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها

قلت : بلى . قال : لج الباب يرحمك اللّه . فنظرت الباب بعينه ، فولجت القصر ، فنظرت النخلة ، والمطهرة ، والحال بعينه ، والمنشفة مبلولة ، فقلت : آمنت باللّه . فقال : يا سهل ، من أطاع اللّه أطاعه كل شيء ، يا سهل ، اطلبه بحمده . فتغرغرت عيناي بالدموع ، فمسحتهما وفتحتهما فلم أر الفتى ولا القصر ، فبقيت متحسرا على ما فاتني منه ، ثم أخذت في العبادة . وهذه الحكاية عجيبة لا يكاد يؤمن بها كثير من الناس ، ولها احتمالات : منها : أنه يحتمل أنه نقل من مكانه لما أغمي عليه إلى حيثما شاء اللّه تعالى من غير شعور منه ، ثم أعيد كذلك إلى مكانه لطفا من اللّه تعالى وكرامة لأوليائه ، واللّه على كل شيء قدير . وعن الشيخ مفرّج الدماميلي : أنه رآه بعض أصحابه بعرفة ، ورآه آخر من أصحابه في مكانه لم يفارقه في جميع ذلك اليوم ، فذكر كل واحد منهما ذلك لصاحبه ثم تنازعا ، وحلف كل واحد منهما بالطلاق من زوجته أنه كما ذكر ، فاختصما إلى الشيخ ، وذكر كل واحد منهما يمينه ، فأقرّهما الشيخ على حالهما ، وأبقى كل واحد منهما على الزوجية . قال الشيخ صفي الدين بن أبي المنصور : فسألت الشيخ مفرّجا عن حكمه في هذه القضية بعدم حنث الاثنين مع كون صدق أحدهما يوجب حنث الآخر ، وكان معنا في وقت سؤالي جماعة فيهم رجال معتبرون لهم معرفة بالعلم . فقال لنا الشيخ : قولوا : يعني تكلموا في هذه المسألة ، وكان ذلك إذنا منه بأن نتحدث في سر هذا الحكم ، فتحدث كل منهم بوجه غير كاف ، وكانت المسألة قد اتضحت لي ، فأشار إليّ الشيخ بإيضاحها ، فقلت : الوليّ إذا تحقق في ولايته ومكّن من التصور في روحانيته يعطى من القدرة في التصور في صورة عديدة في وقت واحد في جهات متعددة على حكم إرادته ، فالصورة التي ظهرت لمن رآها بعرفة حقّ ، والصورة التي رآها الآخر في مكانه في ذلك الوقت حقّ ، وكل واحد منهما صادق في يمينه . فقال الشيخ مفرّج : هذا هو الصحيح ، فإن قيل كيف يتصور تعداد الصور من شخص واحد ؟ قلت : إن ذلك قد وقع ، وشوهد ولا يمكن جحوده ، وإن تحيّر فيه العقل .